أخبار الثقافة والفن

حوار مع الفنانة اللبنانية أميمة الخليل

حاورها فوزي باكير لموقع العربي الجديد

منذ أعوام، تحدّثت أميمة الخليل عن عملٍ لها يحمل عنوان “صوت”؛ عملٌ مختلف عمّا عرفه الجمهور، إذ سيكون بمرافقة كورال “الفيحاء”، ويستند إلى صوت أميمة أكثر من الآلات الموسيقية. في حوارنا معها، تخبرنا صاحبة “وقلت بكتبلك”، أن “صوت” سيصدر قريبًا.

• بدايات أميمة الخليل الفنية، إجمالًا، معروفة. تجربتها في “الميادين” ومرسيل وما إلى ذلك.. ما الذي تسترجعه أميمة من تلك البدايات؟ ماذا تنتقين منها؟
من البدايات، أنتقي وقوفي في الاستوديو لتسجيل الجديد مع مرسيل ومهندس الصوت، آنذاك، الراحل نبيل ممتاز، وقوله لي: “عمّو أميمة، افتحي تمّك لمّا تغنّي”. أذكر سحر تلك الأوقات وكم تمنّيت في سرّي ألّا تنتهي أبدًا. هنا، لا بدّ من القول إنها كانت أوقاتًا سريعة خاطفة لأني أحفظ بسرعة ولا أكرّر وأعيد التسجيل؛ فغالبًا ما كان مرسيل يكتفي بالأداء الأوّل منّي.

• تحدّث والدك، السيّد علي، عنكِ؛ عن طفولتك، عن جلوسك إلى جانبه وهو يعزف على العود أو يستمع إلى أغنية ما.. ما الذي تنتقيه من تلك الطفولة أيضًا؟
من طفولتي أنتقي مقابلتين حفرتا في ذاكرتي؛ الأولى مع شريف الأخوي في برنامج “نزهة” عبر أثير الإذاعة اللبنانية. الثانية مع تلفزيون لبنان في برنامجين؛ أحدهما على القناة التاسعة في ذلك الحين (ناطق باللغة الفرنسية)؛ إذ قصدوا بيت أهلي في البقاع اللبناني لتصوير فيلم قصير عنّي صغيرةً. للأسف، ضاع هذا التسجيل في الحرب، وما زلت آمل بأن أجده يومًا. الثاني في برنامج “ماما جنان” الموجّه للأطفال وغنّيت فيه “رجعت ليالي زمان” بمرافقة صديق والدي الموسيقي إيلي أشقر على آلة القانون. وخرجت منه بهدية في غاية الجمال، كانت كتاب “علي بابا والفانوس السحري”. عندي حسرة الآن على إضاعته بسبب كثرة تنقّل أهلي وتغيير السكن مرارًا.

• أين تقف أميمة الآن؟ فنيًا طبعًا..
اليوم أنا في موقع مرضٍ لي على صعيد قيمة وجدّية ما أقدّمه من غناء، وما أحصده من احترام لمسيرتي ممن يعرفني ويتابعني. من جهةٍ أخرى، في موقعٍ غير مرضٍ لي على صعيد الانتشار والاهتمام “الرسمي”، تحديدًا لما أقدّمه من فنٍّ جاد. ولست وحدي طبعًا في هذا الموقع. الهدم سيّد الموقف وما من مسؤول يفتح بابًا لمن يبني أو يحاول البناء من خلال الفن!

• فلنتحدّث أكثر عن “مطر”.. عمل أوركسترالي بهذا الحجم، أنجزتِه مع الموسيقي عبد الله المصري، وسجّلتِه في روسيا. وهو أصلًا أحد النّصوص التي ربّما يمكننا القول إنّها خالدة.. لماذا نشعر أنّه لم يأخذ حقّه؟
“مطر” عملٌ للذاكرة، وما من عملٍ بهذا الحجم وهذه القيمة أخذ حقّه فعلًا إلا بعد مضيّ وقتٍ ليس بقصير، للأسف طبعًا. “مطر” قصيد سيمفونية مغنّاة للإنسان وليس لحزبه، للناس وليس لحكّامها. والناس تلقّوها بحبّ واهتمام حتى الآن. أتمنّى أن تحظى باهتمام أكبر لجهة تقديمها مع أوركسترا عربية وغربية. وأتمنّى أن أعُبّ أكثر من موسيقى مؤلّفها الفذّ الصديق عبد الله المصري.

• من جهة أُخرى، هناك من أخذ يقارن “مطر” بعمل محمد عبده على القصيدة نفسها.. ما رأيك أيضًا؟
لم أكن أعرف بوجود نسخة من هذه القصيدة بصوت آخر وموسيقى أخرى قبل إصدار نسختنا في بيروت. وسألت عبد الله وأجابني أنه لم يسمعها أيضًا. من يسمع النسختين فهو مكسب له من دون الوقوع في فخ المقارنة.

• في ألبوم “زمن”، نتلمّس شيئًا من الألم، واليأس ربّما.. لماذا؟
ألبوم “زمن” كان صرختي الساخرة، اليائسة، المنتفضة، المتمنّية الآملة في آن. صرخة فيها ما يشبه الندب أحيانًا، وما يناقضه. هي على هذا الشكل واقعية جدًا، بعيدة هذه المرة، ربّما، عن تجميل الصورة التي يحرص عليها الفن عادةً لمخاطبة المتلقّي. شعرت بحاجة كبرى لهذا التعبير، ومضيت لإنجازه وإصداره فكان “زمن” وجعًا بمجمله.

• لعلّ أغنية “رسايل” تبعث على شيء من “الأمل”؟
“رسايل” و”أعرف بلادًا”. فلا حياة أو استمرار من دون أمل.

• سياسيًا، تبدو أميمة متحفظة على قول رأيها. ربما تعطين بعض الإشارات أحيانًا، كما في ألبوم “زمن”.. هل يمكن أن تتحدّثي أكثر بلغة أخرى؟ كيف تنظرين إلى الأعوام السبعة التي مضت، وإلى ماذا تتطلّعين؟
السياسة متقلّبة، خصوصًا مؤخرًا. الفن قيمة ثابتة. لا يُنجَز الفن للتفرقة، بل ليجمع ما تشتّت من جرّاء اللعبة السياسية. وهنا أجدني وزملائي في موقع لا نُحسَد عليه: إن قلتُ هنا، يقولون اصطفّت، إن قلتُ هناك، سيقولون الشيء نفسه. انقسمنا على بعضنا كعرب، وكلّ يعتبر نفسه مظلومًا ويعتبر الآخر ظالمًا. من موقعي أغنّي لمن يُقتل، وليس لقاتله. أغنّي لمن يسير في دربٍ يوصل للحرية من أنظمة جائرة؛ دربٌ ليس فيه أسلحة فتّاكة للقتل، دربٌ أسلحته مسخّرة للمعرفة والبناء والعيش بكرامة. لهؤلاء أتوجّه في غنائي. وسط زحام الموت هذا، أتطلّع إلى إبادة الأسلحة، وإلّا.. كوكبٌ آخر.

• قبل عامين، رحل الشاعر محمد العبد الله.. ماذا ترك خلفه؟ وهل ستغنّين شيئًا من قصائده؟
محمد العبد الله قتله “هذا الرأس”، وتركنا على عجل. لكنه ترك الكثير لنغنّيه. بقدر الأسى على غيابه، سأغنّي مما كتب الكثير. وقد علمتُ من شقيقته الغالية وصيّته بما يخصّني: “شو ما بدها أميمة بتغنّي من كتاباتي”. مؤثّر جدًا ومفرح أيضًا. احترامي لروحك محمد العبد الله.

• لماذا لا نستمع منك إلى قصائد مغايرة تمامًا عمّا اعتدنا عليه؟ قصيدة النثر تحديدًا.. لماذا لا تغنّين لوديع سعادة مثلًا؟ عبّاس بيضون، سركون بولص، أنسي الحاج.. شعر مُترجَم..
بطبيعتي، أحبّ تحدّي نفسي في مقاربة عناصر قد تصدمني قبل أن تصدم المستمع. تستهويني قصيدة قد تحسبها بسيطة في قراءتي الأولى لها، سرعان ما أكتشف فيها عُمقًا ما أو إيقاعًا ما، حتى لو أعرج.. فلسفة ما ربّما؛ فأغنّيها. هناك قصائد كثيرة تعجبني لأسماء ذكرتها وأخرى لم تذكرها. قصائد مترجمة أيضًا.. أتمنى أن أجد وقتًا كافيًا لإنجاز هذه القصائد قبل الرحيل.

• لماذا تتجنّبين الحديث عن أغنية “غريبة” التي لحّنها شربل روحانا؟ وما هو مصير هذا التعاون؟
لا أتجنّبها أبدًا، بل أعتزّ بها. نيّة العمل مع شربل روحانا حاضرة دومًا، وقد اتفقنا مؤخرًا على إنجاز شيء مشترك.

• كيف تنظرين إلى تجربتك مع هاني؟ وكيف تبدو لكِ هذه الثنائية: فنّانان/زوجان؟ ابنكما، ندي، يدرس الموسيقى أيضًا.. هل يشبه هذا الثلاثي، ثلاثيًا آخر يضم: عاصي وفيروز وزياد؟
أجمل ما في السؤال ورود أسماء السيدة فيروز والرحابنة. الحياة مع هاني جميلة وفيها ما يكفي من الهناء للتصالح مع عبث الأيام ووجعها. موسيقاه متنوعة بالألوان، نابضة. لا تشبه، أو بالأحرى لا تتشبّه بموسيقى أخرى. حريصٌ هو على عدم نسخ موسيقي آخر، وهذا أجمل ما في موسيقاه. يأخذ صوتي إلى عوالم لم أكن على تماس معها قبله. ينيرني بأفكار مفيدة لصوتي في التعبير الغربي خاصة، مثل الهيب هوب والبلوز والروك. ندي، ابننا، على طريق الجمال نحو هدفه، وأتمنّى أن يقول لي يومًا: “كتبتلّك شي إذا بتحبّي تغنّيه”.

• لكِ صورة تجمعك بالشيخ إمام.. حدّثينا عن ذلك اللقاء أكثر. أين ومتى وكيف؟
التقيت الشيخ إمام في منزل مرسيل وعائلته. أَحبَّ تعبيري كمراهقة في حينه، وكنت معجبة ولا زلت بهذا الإنسان الخلّاق والمصرّ والدؤوب على غناء الخير رغم كل الشرّور المحيطة به. هو شخصية فنية بصوتٍ فريد ونبرة مُحبّة. لطالما كانت رفيقة محبّبة لمسمعي.

• من التقيتِ أيضًا من هؤلاء الغائبين؟ أحمد فؤاد نجم؟ الأبنودي؟ لا نعرف مَن.. أخبرينا عن لقاءات لا تنسيها.
التقيتُ بالأبنودي طبعًا، وحضوره آسر. العم نجم للأسف لم أره يومًا. أملي بلقاء الكثيرين من الكبار الذين أقدّر وأحبّ في عوالم أخرى.

أميمة مع الشيخ إمام في صورة نادرة

• ماذا تسمع أميمة؟ في الموسيقى العربية، والغربية، والكلاسيكيات.. ما هي الأعمال المفضلة لك التي تعودين إليها باستمرار؟ هل هناك أغنية معينة تسمعينها وتتمنّين لو أنّها لكِ؟
أسمع الاثنين من قديم وجديد. تعجبني الأغنية المكتملة العناصر؛ نص ولحن وأداء، كأغنية “راح حلفك بالغصن يا عصفور”. إنها مقطوعة في مقامٍ عالٍ بالنسبة لي، وتمنّيت لو أنّها لي.

• كنّا ننتظر منك عملًا بعنوان “صوت”، ستغنّين فيه بـ “صوتٍ عارٍ” من دون مرافقة موسيقية. هل من جديد بخصوصه؟ وهل من إصدار لعمل/ألبوم قريب؟ وإن كان هناك ما هو قريب؛ فحدّثينا عنه. من هم أبرز شعرائه، وملحّنيه، وفكرته..
“صوت” شارف على إبصار النور. سأقدّمه كما وعدتكم مع أصوات كورال الفيحاء بقيادة المايسترو باركيف تاسلاكيان. يتضمّن العمل 11 مقطوعةً من تأليف مرسيل خليفة، توزيع إدوار طوريكيان، والنصوص من: منصور الرحباني، بطرس روحانا، جوزف حرب، محمود درويش، طلال حيدر، إلياس لحود، مروان مخول، زاهي وهبي، عبيدو باشا، نزار قباني، ونص من نشيد الإنشاد (العهد القديم).

أعمل على “صوت” مع المايسترو والفريق منذ عامين. نحن الآن في مرحلة التمارين النهائية قبل تسجيله مطلع نيسان القادم. عمل مميز بطرحه وأتمنّى أن يكون فاتحةً لأعمال مماثلة في الغناء. سنتكلّم عنه كثيرًا عند صدوره.

• ألا يزعجك إلحاح الجمهور بطلب أغنيتي “تكبّر” و”عصفور” في كل حفل لك؟
لا يزعجني هذا الأمر إطلاقًا؛ فلكل فنّان على مرّ العصور أغنية، أو أكثر، تشكّل ذروة ولا يستطيع تخطّيها حتى لو أنجز أجمل منها. يبدو أنّ هاتين الأغنيتين أصبحتا من كلاسيكيات الأغنية العربية، وهذا فرح عظيم.

• ما هو عملكِ المفضّل لكِ؟ ولماذا؟
عملي المفضّل بعد “عصفور” و”أحمد العربي” و… وصولًا إلى “شب وصبية” و”رسايل” و”ظلالنا” و… حتى المطر من عبد الله و… “صوت” هو المفضّل.. إلى أن يحين صوتٌ آخر.

https://youtu.be/taC76KnlJVo
Show More

مقالات مرتبطة

Close