أقلام حرة

دفاعا عن الفلسفة

بقلم : عبد السلام الرجواني

    عبد السلام الرجواني

في الوقت الذي يتطلع فيه المغاربة إلى تنزيل الإستراتيجية الوطنية لإصلاح التعليم، والرقي بالمنظومة التربوية الوطنية إلى مستوى ما هي عليه أنظمة التربية والتكوين في البلدان المتقدمة، من جودة في التكوين، سواء من حيث المناهج وأساليب التعليم والتعلم، أو من حيث غنى الحياة المدرسية وثرائها المعرفي والعلمي، أو من حيث انفتاح مؤسسات التعليم والتكوين على المحيط في كل أبعاده، وعلى المعرفة الإنسانية في أسمى مباحثها، في هذا الوقت بالذات تقبل وزارة “التضبيع الوطني” على قرار خطير وجائر: إنه قرار حذف الفلسفة من امتحانات الباكلوريا بالشعب التقنية.
في الحقيقة يصعب على أي مهتم بقضايا التربية والتعليم أن لا ينزعج من هدا القرار، وأن يتساءل في حيرة عن الدواعي التربوية التي أوحت ل “عباقرة” الوزارة بمثل هذا القرار. هل ما زال هؤلاء العباقرة الأفذاذ يعتبرون الفلسفة مادة ثانوية بالنسبة للشعب التقنية، وأن التربية الإسلامية هي أجدى وأنفع في التعليم التقني؟ أم أنهم ما زالوا يتخيلون على غرار العوام، أن الفلسفة مجرد سفسطة وبحث عن قطة سوداء في غرفة ظلماء؟ أم أن قرارهم هذا نابع من معاداة الفلسفة باعتبارها علما إنسانيا يحث على تعقل الوجود في كل أبعاده من أجل تغييره بما يعلي من قيم الحرية وينمي الفكر النقدي والقدرة على الإبداع؟
لنبحث كل الفرضيات لعلنا نجد للقرار ما يبرره:
الفرضية الأولى: الفلسفة مادة ثانوية في الشعب التقنية.
إن كان هكذا “يفكر” أصحاب القرار، فإنهم حقا أغبياء، ومن الواجب تنبيههم إلى أن الفلسفة ليست مادة أدبية ولا علمية بالمعنى المدرسي الضيق للأدب وللعلم معا. إنها أم الآداب وأم العلوم، وهي تفكير نقدي يشمل الوجود في جميع تجلياته، والمعرفة بكل أصنافها، والأخلاق. ولذلك، فهي منفتحة على كل العلوم، من رياضيات وبيولوجيا وفيزياء ولسانيات واقتصاد وسياسية الخ… وعليه فإن التقليل من القيمة المعرفية والتربوية للفلسفة بالنسبة لطلاب الشعب التقنية ينم، إن افترضنا حسن النية وصفاء الطوية، عن فهم سيء للفلسفة وأغراض الدرس الفلسفي.إنه فهم بئيس يستحق الشفقة. يكفي أصحاب القرار أن يلتفتوا إلى مكانة الفلسفة في المناهج التعليمية بالدول المتقدمة، في فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وحتى في تونس والجزائر وكثير من بلدان العالم الثالث، ليعلموا أن طلاب الشعب العلمية والتقنية لا يسمح لهم بولوج المعاهد العليا إن رسبوا في مادة الفلسفة. ومما لا ريب فيه أن إطارا تقنيا لا يملك قدرة على التفكير المنطقي، وغير مسلح برؤية نقدية وقيم إنسانية، لن يكون سوى إنسانا ذا بعد واحد بالمعنى الماركوزي ( نسبة لماركوز)، وسيكون اقرب إلى الإنسان الآلي المبرمج، الفاقد للإرادة والقابل للشحن والتوجيه عن بعد. ولنا في أنصار التطرف أبلغ مثال عن الخبرة التقنية و”العلمية” العمياء. وفي هذا الصدد لا بد من توضيح، مفاده أن الانتصار للفلسفة لا يعني مناهضة التربية الإسلامية، التي يجب أن تصان مكانتها في المنهاج التربوي بما ينسجم مع تعاليم الدين السمحة التي لم تكن أبدا في تناقض مع الفلسفة كما يوحي بذلك القرار الوزاري الخاطئ، والذي من شانه أن يجني على جيل بأكمله، وأن يكرس التناقض الوهمي بين الدين والفلسفة الموروث عن القرون الوسطى وأزمنة الانحطاط .
الفرضية الثانية: الفلسفة قطة سوداء في غرفة ظلماء
من يعتقد في هذا القول الشائع لا يفكر أصلا، أو على الأقل هو جاهل بالفلسفة ومبادئها ومباحثها، وجاهل حتما بالقيمة المنهجية والبيداغوجية للتفلسف وللدرس الفلسفي، بل بقيمتها تلك من حيث تملك المعرفة العلمية، وتمثل الواقع، وتنمية الوعي الاجتماعي. ليست الفلسفة أبدا رديفا للغموض والهذيان، كما روج لذلك أعداء الفلسفة في الماضي، ويروجون له في الحاضر. الفلسفة في العمق ممارسة عقلية تعتمد المنطق والحس السليم الذي اعتبره روني ديكارت القاسم المشترك بين الناس. أليست الفلسفة حبا للحكمة؟ في السنة الأولى من حياتي المهنية كأستاذ للفلسفة، أسندت لي الإدارة التربوية تدريس أقسام الشعب العلمية، بخلفية أنني أستاذ مبتدأ، وسيكون من باب المغامرة أن أدرس الشعب الأدبية؛ وهي خلفية تضمر انتقاصا من قيمة الدرس الفلسفي في الشعب العلمية بناء على منطق المعاملات التي تحدد، حسب تصور الإدارة التربوية اهتمام التلاميذ بالمواد الدراسية. ركبت التحدي، فكانت تجربة رائعة جعلتني مقتنعا اقتناعا راسخا أن العيب ليس في الفلسفة، وليس في طلاب الشعب العلمية، وإنما العيب كله في الأحكام المسبقة التي يحملها البعض منا عن الفلسفة وعن تلاميذ الشعب العلمية والتقنية. ما زلت أتذكر تفاعل تلامذتي الأعزاء مع درس البيولوجيا ونظريتي لامارك وداروين، وإشكالية علاقة العضو بالوظيفة، ومع النظرية النسبية العامة والخاصة لانشطاين، ومع درس الرياضيات والمنطق.
الفرضية الثالثة: العداء للفلسفة
نفي الفرضيتين السابقتين يجعلني، شخصيا، أميل إلى اعتماد الفرضية الأخيرة. آمل صادقا أن أكون مخطئا، لأنه لو صدق هذا الاعتقاد، سنكون في الواقع مرغمين على التشكيك في وجود إرادة حقيقية لإصلاح التعليم وفق المبادئ المؤطرة للإستراتيجية الوطنية 2015- 2030 ، التي تتبنى العمل على تحقيق مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء الفردي والاجتماعي، وإدراج الإصلاح ضمن مشروع مجتمعي شامل يستنير بقيم الحداثة والديمقراطية. إن الإمعان في ضرب الفلسفة والانتقاص من قيمتها في المدرسة والجامعة، كما في المجتمع برمته، هو عنوان تخلف فكري وثقافي، وفيه عداء فاضح للعقلانية والحداثة اللتان تعتبران ركيزتان لا غنى عنهما لإرساء دعائم الديمقراطية الحق ويناء مجتمع المعرفة. ولعله من باب التساؤل المشروع: أليس هذا القرار معاكسا تماما لكل القرارات والمواقف الصادرة عن مختلف مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، بخصوص العنف ضد النساء، وحق المرأة في ممارسة العدلية، وحرية المعتقد، والعلاقات الجنسية الرضائية.

ختاما، أكاد أجزم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأنه من باب السذاجة الاعتقاد أن القرار يستند إلى اعتبارات تربوية صرفة. وإن كان كذلك فهو احتقار وتبخيس لذكاء جزء هام من شباب المغرب وأطر الغد. إن مواجهة هذا القرار ليست مهمة مدرسي الفلسفة ومحبي الحكمة لوحدهم، وإنما هي مسؤولية كل المومنين بقيم الحداثة والديمقراطية والتقدم. إنها قضية ثقافية وسياسية بامتياز، ومآلها مؤشر دال على أي تجاه سيتخذه تنزيل إستراتيجية الإصلاح.

Show More

مقالات مرتبطة

Close